تم اتاحة التعليقات على جميع اخبار ومواضيع الوكالة لذا يمكن الان لزوار الوكالة ابداء الرأي والتعليق

اضغط على زر اعجبني لمتابعة اخر اخبار وكالة حق


الدولة والخلافة... وصراع المصطلحات في العراق ... د. عبد الرحمن الرواشدي
حق- خاص   8/24/2014    عدد القراء 24708

لا تزال مسألة تحرير المصطلحات من الامور الشائكة لا سيما في السياسة الشرعية، وهي محط شد وجذب بين العلماء بشقيهم؛ الربانيين ووعاظ السلاطين،

وانه لأمر طبيعي لولا ما لمدلولات هذه المصطلحات من تأثير على العمل السياسي الذي يؤثر سلبا على المجتمعات ومن ثم الدول.

ومن تلكم المصطلحات الإمامة والخلافة ولأهميتها وما لهما من أثر على الفرق الإسلامية نجد كثيرا ممن كتب او تكلم في الاعتقاد جعلها من مسائله ومنهم من جعلها من اصوله، كما نجد من افردها هي او بعض المصطلحات ذات الصلة بمصنف بسيط او وسيط أو وجيز.

وقد تباينت تعريفات الخلافة فمنهم من يراها : نظام حكم في الشريعة الإسلامية يقوم على استخلاف امام مسلم على الدولة الإسلامية ليحكمها بالشريعة الإسلامية، أو انها : القيام مقام صاحب الشرع لتحقيق مصالح الدين والدنيا.

ومما اثير الجدل بشأنه طبيعة العلاقة بين الإمامة والخلافة، فمنهم من يرى انهما اسمان لمسمى واحد، وإن مصطلح الإمامة يرادف مصطلح الخلافة، وهذا معتمد في الاصطلاح الفقهي ومنها ما جاء في معجم لغة الفقهاء (ص 88) :الخلافة، وهي الامامة الكبرى، وفي القاموس الفقهي (ص120) : الخلافة ؛ الامارة والامامة، وقد قرن بينهما الامام الماوردي في الاحكام السلطانية (ص3) بقوله: "الْإِمَامَةُ مَوْضُوعَةٌ لِخِلَافَةِ النُّبُوَّةِ فِي حِرَاسَةِ الدِّينِ وَسِيَاسَةِ الدُّنْيَا "، فسمّيت خلافة لأن الذي يتولاها ويكون الحاكم الأعظم للمسلمين فإنه يخلف النبيَّ عليه الصلاة والسلام في إدارة شؤونهم، وتسمّى الإمامة لأن الخليفة كان يسمى إماماً، ولأن طاعته واجبة سواء كان براً أو فاجراً ما لم يأمر بمعصية الله، سواء اجتمع عليه الناس ورضوا به، أو غلبهم بسيفه.

ومنهم من يرى انّ بينهما عموما وخصوصا؛ فالإمامة اعم من الخلافة، فكل خلافة إمامة وليس كل إمامة خلافة، لان الإمامة اما ان تكون خلافة او ملكا، والخلافة مقيدة في مراحلها جميعا بمنهاج النبوة، قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : تَكُونُ النُّبُوَّةُ فِيكُمْ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ خِلاَفَةٌ عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ، فَتَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا عَاضًّا، فَيَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا جَبْرِيَّةً، فَتَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ خِلاَفَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ ثُمَّ سَكَتَ. رواه أحمد، وقوله عليه الصلاة والسلام: الخلافة في أمتي ثلاثون سنة ثم ملك بعد ذلك " رواه الترمذي وأحمد.

فالجامع بين هذه الثلاثة (النبوة والخلافة والملك) هي الإمامة، وقد جمع الله هذه الثلاثة لبعض انبيائه منهم داود وسليمان عليهما السلام: قال الله تعالى : (وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ) ﴿سورة ص: 26﴾، (يَا دَأوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ) ﴿سورة ص: 26﴾، وقال تعالى: (فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ) (سورة البقرة: 251)، وقال الله تعالى في حق انبيائه: (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ) (سورة الانبياء:73).

ومن فقه الحديث ان النبي عليه الصلاة والسلام جعل مبدأ الإمامة بالنبوة والخلافة على منهاجها وجعل خاتمتها ايضا خلافة على منهاج النبوة، وفي بعض الروايات على منهاج نبوة، فقال بعض اهل العلم : وهي خلافة نبي الله عيسى عليه السلام بعد نزوله، وعلى ضوء ذلك تقسم الإمامة في تاريخ الاسلام الى مراحل وهي:

  • النبوة: وهي مقيدة بعصر النبي عليه الصلاة والسلام وانتهت بوفاته.
  • الخلافة على منهاج النبوة: تقوم على الاختيار والشورى، وتتمثل بعصر الخلفاء الراشدين المهديين وكانت مدتها ثلاثين عاما كما جاء في الخبر.
  • الملك العاضّ أو العضوض: وهو الحكم الذي فيه ظلم، وقائم على التوارث والتغلب، وإن تفاوتت نسبة الظلم من حاكم لآخر، ويدخل فيها حكم بني أمية وبني العباس والمماليك والعثمانيين الأتراك وغيرهم، وحتى سقوط الدولة العثمانية في مطلع القرن العشرين الميلادي.
  • الملك الجبري: وهو الحكم في العصر الحديث الذي بدأ بعد سقوط الدولة العثمانية وإلى عصرنا الذي يعيش فيه المسلمون موزعين في اكثر من 57 دولة مسلمة فضلا عن الاقليات، وقد كان من شروط الوزير البريطاني كرزن التي خضع لها الرئيس التركي مصطفى كمال اتاتورك: إلغاء الخلافة الإسلامية نهائيا من تركيا.
  • عودة الخلافة على منهاج النبوة: وهو من المبشرات التي ينبغي على المسلمين السعي الجاد لبلوغها.

ان قراءة دقيقة في النصوص والوقائع نستنبط الاتي:

  • لقد كان اختيار المسلمين للخلفاء الراشدين وهم على منهاج النبوة بناء على قاعدة الشورى، وتحددت مهمتهم في إمامة المسلمين، ورعاية مصالح الناس، ونصرة دين الله تعالى، ثم حدث تحول ابتداء من العصر الأموي وانتهاء بالدولة العثمانية، فتركت الشورى، واعتمد نظام التغلب والتوارث، فكانت ملكا عاضا، وبعد أن كانت الخلافة اختيارا أصبحت الإمامة قهرا وإجبارا، فكانت ملكا جبرية تقترب أو تبتعد عن قيم الإسلام ومبادئه، بحسب الامام او السلطان، يقول ابن خلدون (في المقدمة ص 108) : صار الأمر إلى الملك وبقيت معاني الخلافة من تحري الدين ومذاهبه والجري على منهاج الحق، ولم يظهر التغير إلا في الوازع الذي كان ديناً ثم انقلب عصبية وسيفاً،... ثم ذهبت معاني الخلافة ولم يبق إلا اسمها، وصار الأمر ملكاً بحتاً، وجرت طبيعة التغلب إلى غايتها، واستعملت في أغراضها من القهر والتقلب في الشهوات والملاذ... واسم الخلافة باقياً فيهم لبقاء عصبية العرب، والخلافة والملك في الطورين ملتبس بعضها ببعض. ثم ذهب رسم الخلافة وأثرها بذهاب عصبية العرب وفناء جيلهم وتلاشي أحوالهم، وبقي الأمر ملكا بحتاً... فقد تبين أن الخلافة قد وجدت بدون الملك أولاً، ثم التبست معانيهما واختلطت، ثم انفرد الملك، حيث افترقت عصبيته من عصبية الخلافة.
  • ومن مقتضيات ذلك ان الخلافة على منهاج النبوة ملازمة لمفهوم الامة الإسلامية، وان الملك ملازم لمفهوم الدولة الإسلامية، ولا تكون تامة الا بذلك، ولذا فانه لا يمكن ان يجتمع خليفتان شرعيان وهذا تحقق في زمن الخلافة على منهاج النبوة، ولكن يمكن ان يجتمع امامان او سلطانان او ملكان في مرحلتي الملك العضوض والجبري، ولذا نص بعض الفقهاء على جواز نصب امامين في اقليمين او دولتين لأنه قد يحتاج اليه، وهذا مما اختاره الامام الجويني، وإن كان في اصله ممنوعا، فإذا كان المطلوب شرعا أن يكون الامراء على الاقاليم او الحكام على الدول تحت إمرة واحد، هو الخليفة، ثم تعسر وجود الخليفة لم يسقط وجوب حكم أمراء الاقاليم او الدول، تحت قاعدة الميسور لا يسقط بالمعسور، او من باب ما يغتفر في الدوام ولا يغتفر بالابتداء لأجل مصلحة يراد تحققها او مفسدة اعظم يراد دفعها، ومنه جواز امارة المتغلب، ونقل الشوكاني عن ابن بطال وابن حجر العسقلاني (ينظر نيل الاوطار7/201، وفتح الباري (13/7): إجماع الفقهاء على وجوب طاعة السلطان المتغلب والجهاد معه وإن طاعته خير من الخروج عليه لما في ذلك من حقن الدماء تسكين الدهماء
  • ان اقامة الخلافة أو الملك بمعنى الإمامة، من الواجبات الشرعية، ومن فروض الكفاية على الامة او الدولة، اذ لا بد لها من يقيم لها امور دينها ويرعى امور دنياها بجلب المنافع لها ودرء المفاسد عنها، وذهب جمهور الفقهاء الى ان تنصيب الامام من اهم الواجبات، يقول ابن عابدين (في حاشيته 4/205) : وَنَصْبُهُ  أَيْ الْإِمَامِ مِنْ (أَهَمُّ الْوَاجِبَاتِ) أَيْ مِنْ أَهَمِّهَا لِتَوَقُّفِ كَثِيرٍ مِنْ الْوَاجِبَاتِ الشَّرْعِيَّةِ عَلَيْهِ، وَلِذَا قَالَ فِي الْعَقَائِدِ النَّسَفِيَّةِ : وَالْمُسْلِمُونَ لَا بُدَّ لَهُمْ مِنْ إمَامٍ، يَقُومُ بِتَنْفِيذِ أَحْكَامِهِمْ ؛ وَإِقَامَةِ حُدُودِهِمْ، وَسَدِّ ثُغُورِهِمْ، وَتَجْهِيزِ جُيُوشِهِمْ ؛ وَأَخْذِ صَدَقَاتِهِمْ، وَقَهْرِ الْمُتَغَلِّبَةِ وَالْمُتَلَصِّصَةِ وَقُطَّاعِ الطَّرِيقِ، وَإِقَامَةِ الْجُمَعِ وَالْأَعْيَادِ، وَقَبُولِ الشَّهَادَاتِ الْقَائِمَةِ عَلَى الْحُقُوقِ ؛ وَتَزْوِيجِ الصِّغَارِ وَالصَّغَائِرِ الَّذِينَ لَا أَوْلِيَاءَ لَهُمْ، وَقِسْمَةِ الْغَنَائِمِ، ويقول عنها الخطيب الشربيني (في مغني المحتاج 4/107): وهي فرض كفاية كالقضاء، إذ لا بد للأمة من إمام يقيم الدين وينصر السنة وينصف المظلوم من الظالم ويستوفي الحقوق ويضعها مواضعها.

ولذا ان اقامة الإمامة واعادة الخلافة واجب على كل مسلم أن يبذل قصارى جهده لبلوغها، وقد شكل مقصدا نظّر له كثير من المفكرين المسلمين  المعاصرين بل قامت عليه حركات واحزاب، من ذلك، ما قاله مالك بن نبي في مقال له في مجلة الوعي الإسلامي: يجب من الان ان نعيد النظر في قضية الخلافة الإسلامية... فقد باتت ضرورة عالمية وحيوية... وليكن لها اي اسم، ولكن ليكن هدفها توحيد الصف الإسلامي والرأي الإسلامي في كل مكان على ظهر الارض.. وان كنت اتفاءل بكلمة (مجلس الخلافة).

ويقول د. مصطفى حلمي (في نظام الخلافة في الفكر الإسلامي ص 11)، بعد ان قرر ان علماء المسلمين قد انتهوا من معالجة مسائلها: بقي على المسلمين العمل على إحياء الخلافة مع الاستفادة باجتهادات شيوخ السلف في الدراسات النظرية.

وتأتي هذه الدعوات مستظلة بالنصوص الشرعية التي تبشر بذلك: ومنها قوله تعالى: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) (سورة النور: 55).

ويقول عليه الصلاة والسلام: (إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشرقها ومغربها وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوى لي منها ) رواه مسلم، ويقول صلى الله عليه وسلم (ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار ولا يترك الله بيت مدر ولا وبرٍ إلا أدخله هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل، عزاً يعز به الله الإسلام وذلاً يذل به الكفار)، رواه أحمد (الوبر والمدر: أهل البوادي والمدن والقرى، النهاية لابن الاثير 4/649). 

ومما يؤسف له ان الاصل في اقامة الخلافة والإمامة لجمع المسلمين، ولكن أكثر الدعوات او الادعاءات التي صدرت من اصحابها عملت على تشتيت المسلمين وتفريقهم، وعمقت روح الانقسام والاختلاف فيهم، ولذا فإن الفيصل بين الحقيقة وادعيائها في هذا الامر هو تحقق الشروط في قيامها كما بينها العلماء، ويوجزها د. مصطفى حلمي (في نظام الخلافة ص 448) بقوله: فالخلافة الحقيقية التامة لا بد أن يتوفر فيها عنصران جامعان: أحدهما أن يحرزها صاحبها بتوفر شروطها كاملة في شخصه، وعن طريق بيعة الامة له، والثاني: أن يسلك سلوك النبي صلى الله عليه وسلم في كل اعماله وتصرفاته حيال المسلمين.

فان عدم استكمال شروط الامامة او الخلافة ولوازم عقدها، وعدم انتفاء موانعها سيفرغها من حقيقتها، او سيجعل منها امرا منبوذا في المجتمعات الاسلامية فضلا عن غيرها، واذا كانت الامامة العظمى للمسلمين اليوم غير متحققة فكيف بالخلافة التي لا تكون الا على منهاج النبوة.

صراع مصطلح الخلافة في العراق

ولو عدنا الى العراق فيبدو أنه لا يزال مسرحا للصراعات المتجددة، إذ دخل في صراع المصالح متمثلا بأطماع الدول الكبرى فيه، ثم صراع الارادات بين القوى المتنفذة فيه مع امتداد اقليمي لها، واليوم يشهد صراعا جديدا هو صراع المصطلحات ذات البعد السياسي وما افرزته وستفرزه من صدامات مسلحة، وهذا الصراع هو من اخطرها لأنه يدور في الساحة السنية حصرا.

فقد شهدت الساحة السنية صراعا محتدما نتيجة الموقف من مسألة (الاقاليم والتقسيم) فهل هما مصطلحان لمدلول واحد، أم ان أحدهما يمهد للآخر، أو ان الاول مرحلي يمثل اخف الضررين يرتكب لدفع الضرر الاكبر المتمثل بالتقسيم، مثلما حدث في السودان حينما رفضوا الاقليم فحدث التقسيم.

 ومن ينظر في ادلة الرافضين للإقليم وأكثر المؤيدين له يجد خلطا وتخبطا وغبشا مفاهميا؛ بسبب حمل هذين المصطلحين على مفهومي الامة والدولة الإسلامية، وهما محل جدل كان فيما سبق يقتصر على المقابسات العلمية والمدونات الفكرية، ولكنه اضحى في العراق وحتى في بعض الدول العربية محل صراع دامٍ على ساحات تعاني تهديدا وتحديا خارجيا اكبر مما تحمله تداعيات هذين المصطلحين، لأنه يستهدف الوجود والهوية.

من الدولة الى الخلافة

ويوم ان شهدت الساحة العراقية تفوقا واضحا للمقاومة الإسلامية السنية، ومأزقا كبيرا لقوات الاحتلال الامريكي وحلفائها، واصبح المجاهدون قاب قوسين أو أدنى من تحقيق التمكين بعد الانتصارات الكبيرة، وقد شرعوا في الاعداد لمجلس شورى المجاهدين وهو اوسع مما عقد في مدينة الفلوجة، إذا بتنظيم القاعدة في بلاد الرافدين مع بعض الفصائل الصغيرة التي تشترك معه في العقيدة القتالية والمنهجية التنظيرية، يعلن في عام 2006 قيام الدولة الإسلامية في بعدها الجغرافي وليس التنظيمي، وقد اصدر بعض العلماء آنذاك موقفا من هذا المصطلح، وانه ان قصد به المفهوم السياسي للدولة الإسلامية فهو غير مستكمل الاركان، والانكى من ذلك ما تلاه من صراع بسبب فرض البيعة على الاخرين وفي مقدمتهم فصائل المقاومة، ادى الى نشوب اقتتال داخلي استثمرته قوات الاحتلال الامريكي وغذته بعض دول الجوار لينطلق مشروع الصحوات الامريكي والذي استهدف تنظيم الدولة الإسلامية فقوضها، ومعها قوضت بقية الفصائل الجهادية.

وفي عام 2014 وبعد عام من الحراك الشعبي السني، وما تلاه من صدام مسلح مع قوات حكومة المالكي الطائفية ومن ورائها الميليشيات الايرانية الصفوية، آثرت الفصائل المسلحة ومعها تنظيم الدولة الإسلامية ان ترفع راية العشائر العراقية السنية، وما اقتضاه من تشكيل مجالس عسكرية وقطاعية تابعة لها، ومع الانتصارات التي توالت في مدن الانبار والموصل وصلاح الدين وديالى، ومع سعي حثيث لتكوين تجمع سني موحد يضم اهل الحل والعقد، اذا بالساحة القتالية السنية في العراق تتفاجأ بإعلان الدولة الإسلامية في العراق والشام الخلافة الإسلامية، وتنصب اميرها ابا بكر البغدادي (الشيخ ابراهيم البدري السامرائي) خليفة للمسلمين، ليقطع بذلك الطريق امام أي تنسيق مرحلي، فمن اراد التعامل معهم فليدخل من باب البيعة والا مصيره كما جاء في وثيقة المدينة ( ولاية نينوى) في البند العاشر منها: (وأما المجالس والتجمعات والرايات بشتى العناوين وحمل السلاح فلا نقبلها البتة، لقوله صلى الله عليه وسلم: من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم أو يفرق جماعتكم فاقتلوه)، يقول الدكتور محمد عياش في مقال له: إنه هنا يعني ما يقول، وهو صادق مع نفسه ومشروعه، إنه لا يناقش أفكار الآخرين أو سلوكياتهم، اعتدوا أو لم يعتدوا، بل هو ينطلق من مسلّمات (شرعية) أكبر بكثير من هذه التفاصيل، إن هؤلاء جميعا عليهم أن يخضعوا لسلطانه رغبة أو رهبة، هذا هو الحق الذي يراه والدين الذي يدين به.

وحذرا من عواقب هذا الاعلان وتداعياته ، فقد ابدى رفضه او تحفظه على هذا الاعلان الذي لم يكن عن مشورة مع اهل السنة في العراق، أكثر من مؤسسة سنية ليس في العراق فحسب وانما على مستوى العالم الإسلامي، فقد عد الاتحاد العالمي للعلماء المسلمين في بيان له: "إعلان فصيل معين – مهما كان- للخلافة إعلان باطل شرعاً، لا يترتب عليه أي آثار شرعية؛ بل يترتب عليه آثار خطيرة على أهل السنة في العراق ، والثورة في سوريا ، بل يؤدي ذلك إلى توحيد قوى الأعداء بمختلف أصنافهم لضرب الثورتين اللتين تطالبان بالحقوق المشروعة لهما في سوريا والعراق"، من جانبها بينت هيئة علماء المسلمين في العراق أن "إعلان أي جهة قيام دولة أو إمارة إسلامية أو غير إسلامية في ظل هذه الظروف لا يصب في صالح العراق ووحدته"، وأكدت الهيئة أن "هذه الحالة غير ملزِمة شرعا لأحد"، كما نصحت بالتراجع عن هذا الإعلان "خدمة للثورة والثوار ومراعاة لمصالح العباد والبلاد"، وهذا ما ذهب اليه "جيش العزة والكرامة" في بيان له إنه: "وبعد الرجوع إلى أهل الفقه والإفتاء، فإن هذه البيعة غير ملزمة وغير منعقدة ولا تتوفر فيها القاعدة والأرضية المناسبة".

ودعا الدكتور صلاح الصاوي الى : التراجع الفوري عن مشروع الخلافة حتى تتوفر مقوماتها، وتتهيبأ أسبابها، محافظة على جلال هذا المنصب الكبير، وتراجعا عن أعظم مجازفة تاريخية! شرعية وعملية في واقعنا المعاصر! والاقتصار على الحديث عن إقامة دولة راشدة في العراق، تقيم العدل بين الناس.

إن هذا الامر بلا شك لن يكون محل اتفاق لدى اغلب مكونات الطيف السني ومن يقبله الان مضطرا مكرها او عاطفة فسوف ينقلب عليه، وبذلك يفتح باب جديد للصراع الداخلي قد يمثل طوق نجاة للحكومة الشيعية الطائفية في العراق، أو جسرا دوليا لضرب اهل السنة في العراق من جديد، ولذا فعلى اهل السنة في العراق وعمقهم العربي العمل على انجاز مشروع انقاذ اهل السنة ودعمه من غير تأخير، ومن غير اقصاء لاحد الا لمن تحقق ان ضرره اكبر بكثير من نفعه.


الاسم :
البريد :  
الموضوع :
نص التعليق  

البحث





احصائيات اليوم

الخبر الاكثر قراءة

الخبر الاكثر طباعة

الخبر الاكثر حفظا

الخبر الاكثر ارسالا

مقالات